مصانعَ مغلقة ومنشآتٍ تنتظر إنهاء بنائها، وآلات توقفت عجلاتها عن الدوران!

هذا هو حال المصانع المحلية العراقية، وتعدّدت الأسباب التي تهدف لإبقاء اقتصاد العراق متدهوراً.. فهل يأتِ ذلك اليوم الذي نضع فيه النقاط على الحروف ونغيّر هذا الواقع؟

لو تحدّثنا بالأرقام بعض الشيء لوجدنا أنّ ٨٠٪ من مصانع العراق متوقفة تماماً عن العمل، وأبرزها الصناعات النسيجية والخياطة، الصناعات الغذائية، الصناعات الكيماوية، مصانع الإنشاءات… إلخ! فهل فكّرت يوماً ما الحكومات المتعاقبة أنها لو أعادت تشغيل هذه المصانع فإنّها ستنقذ حياة الملايين من الشعب العراقي وتقليص خط الفقر الذي وصل إلى ٢٦٪.

قبل عام ٢٠٠٣ تمّ إنشاء مدينة صناعية في جنوب العراق بمساحة ٢٠٠ دونم تشمل معامل متخصصة في صناعات الشاي، الحليب، الملح، المنظفات … إلخ، ولكنّها باتت أشبه بمدينة مهجورة ولم ترَ النور بتاتاً! وتلك المعامل أصبحت مجرّد مبانٍ فارغة تنتظر من يُنعشها؛ ولا يوجد سوى المبرّرات المتكرّرة المتعلّقة بالأجندات الخارجية التي تعيق إحياء القطاع العراقي ولعلّ أبرزها أزمة الانقطاع المستمر الكهرباء وأسبابها الوهمية التي لا تستند إلى أي حقائق واضحة خصوصاً مع وجود موارد طبيعية كافية لاستغلالها وحلها؛ مثل وجود الغاز المصاحب للنفط الذي يهدر بحرقه، وهذا يبدو مؤشراً لسيطرة أجندات خفية على قطاع الكهرباء والتي تتمثّل في إحباط تنفيذ الخطط البديلة لتزويد المصانع والمنشآت بالكهرباء وأبسطها زيادة عدد ساعات الكهرباء أو تزويدها بمولّدات كهربائية احتياطية لتجاوز هذه العقبات وعدم إيقاف عجلة التشغيل.

لا يمكننا التحدث عن مشاكل القطاع الصناعي في العراق دون التطرّق إلى الآثار التي خلّفتها الحروب المتتالية، وما تعرضت له من قصف مستمر وتخريب عشوائي نرى بين طيّاته استهداف واضح لـ تدمير الإنتاج المحلي وإيقاف عجلة الاقتصاد، فحتّى الآن جميع الحكومات المتعاقبة اتبعت منهجاً واحداً تجاه الاقتصاد وقادته نحو الانهيار المستمر، وذلك من خلال هيمنة الدولة على جميع القطاعات بالإيقاف المتعمد لجميع الصناعات والمنشآت التي تضرّرت بفعل تلك الحروب وعدم إيجاد خطط إحيائها وإعادة تشغيلها إلى جانب إفشال إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية.

ومع ذلك كله.. لا توجد سياسة حماية حكومية للصناعات والمنشآت تمنع واقع التغييب المتعمد للصناعات المحلية، فتلك المصانع المغلقة تمتلك الآلاف من الأجهزة والآلات المتوقفة التي فقدت قيمتها بتقادم السنوات، فهل يعقل إهدار الملايين من الدولارات عليها دون إنتاج حقيقي؟ أليس هذا فساد واضح يستهدف تدمير القاعدة الإنتاجية؟ ويضع العوائق أمام المستثمرين ورجال الأعمال لمنعهم حتّى من التفكير بإنشاء المشاريع الصناعية؟ خصوصاً ما يرونه بأعينهم من تخريب بكل أنواعه للمصانع القائمة!

أليس ذلك كله تهديداً واضحاً ضد استثمار وتنمية الثروة الوطنية؟

ولو توجّهنا قليلاً نحو آلية الإنتاج المحلي والاستيراد لوجدنا تدهوراً واضحاً في هذا القطاع يهدد الإنتاج المحلي ويدفع به نحو الأسوأ إلى أن يصل إلى إيقافه تماماً! فالحكومة لا تقوم بشراء المنتجات المحلية ولا تُحفّز شرائها من الأساس بل على العكس تماماً تسيطر على المنافذ الحدودية وتعمل على تنفيذ خططها الخاصة بالتدفق غير القانوني للمنتجات المتمثل بفرض الإعفاءات الجمركية على عمليات الاستيراد والمنتجات المستوردة التي وصلت إلى ١١ مليار دولار سنوياً، ومن ثمّ إعادة بيعها في السوق المحلية بأسعار مناسبة تُطيح بأسعار المنتجات المحلية التي فقدت جميع مقومات منافسة المنتجات الأجنبية بسبب قرارات الحكومة التي يُغلّفها الفساد المتفشي لصالح المتحكمين في ثروات وموارد العراق بما يناسب مصالحهم الشخصية.

وما يجدر ذكره هنا أنّ نسبة المعامل المتوقفة لوزارة الصناعة والمعادن بلغت 38,5 % أي أكثر من الثلث! فماذا لو تم اتخاذ خطوة واضحة نحو إعادة تشغيل هذه المصانع؟ لماذا لا يتم إنفاق هذه المبالغ الضخمة على إعادة تدوير محرّكات الآلات المتوقفة والتي أهدر ثمن شرائها عبثاً بدلاً من إنفاقها على عمليات الاستيراد؟ إلى جانب وضع خطط الجدوى الاقتصادية لتشغيل خطوط الإنتاج وتعزيز المنتجات المحلية.

ربّما يتجاهل المسؤولون أنّ نتائج إعادة فتح المصانع المتوقفة تعزّز الاقتصاد وترفع من المستوى المعيشي للشعب بتقليص أعداد العاطلين عن العمل والحد من خط الفقر، ولكن هذا الأمر يؤثر على مصالحهم وأساليبهم في استغلال ثروات الوطن.

نحن نعلم أن لـ الوضع الأمني تأثيراً مباشراً على الاقتصاد وعلى قرارات رجال الأعمال والمستثمرين في إنشاء مشاريعهم الخاصة وإنعاش القطاع الخاص، وأن ّ ما مرّ به العراق منذ ٢٠٠٣ وحتّى الآن من تفجيرات وقصف وتدمير يحول دون النهوض به، إلّا أن الحكومات المتعاقبة لم تحاول أن تتخذ أي عقوبات رادعة لمن يهددون أمن واقصاد العراق، ولا تضع سياسات أمن وحماية مدروسة لحفظ حقوق المنشآت والمصانع الحكومية والخاصة وحمايتهم من الهجمات العشوائية من الجماعات المختلفة! وهذا كله يؤدي إلى غضب مجتمعي وشعبي يؤدي بهم للنزول إلى الشارع بمظاهرات واحتجاجات لا تنتهي! ولكن جلّ ما نطمح إليه هو إعادة النظر بشكل جدّي في شأن الصناعات المحلية وتشغيلها رسمياً، وفتح المجال أمام المستثمرين لإعادة إدارة أعمالهم ومشاريعهم في بلدهم الأم لتعزيز الاقتصاد وتنمية أحوال الشعب المعيشية.

بقلم أحمد طالب الجبوري

Author: احمد طالب الجبوريA self-made Iraqi businessman and investor. Dr. Ahmed is the founder and CEO of Armada Group. His ambitious vision for a sustainable Iraq started with his journey in establishing a multi-national Group. Born in 1974 in Baghdad, Iraq, Dr. Ahmed attended Baghdad College; one of the top secondary schools in Iraq. He later obtained his BSc and Master’s degrees in Chemical Engineering from the University of Baghdad. Continuing his educational journey, he proudly obtained his PhD from the USA. His overall experience in the business world is over 20 years; during which he ventured into various business sectors including Banking, IT, Real-estate, Oil & Gas, Chemicals, Renewable Energy, Infrastructure and Logistics. With the spread of his companies across Asia, Europe, Africa, and North America.